أحمد بن محمد المقري التلمساني
331
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
يونس صاحب تاريخ مصر ، وكان على بحر تونس سنة ثنتين ومائة على ما حكاه عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم . ولمّا قتل يزيد بن أبي مسلم والي إفريقية اجتمع رأي أهلها عليه ، فولّوه أمرهم ، وذلك في خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان ، إلى أن ولي بشر بن صفوان الكلبي إفريقية ، وكان على مصر فخرج إليها واستخلف أخاه حنظلة ، انتهى . 40 - ومنهم عبد الملك بن عمر بن مروان بن الحكم ، الأموي « 1 » . فرّ من الشام خوفا من المسوّدة ، فمرّ بمصر ومضى إلى الأندلس ، وقد غلب عليها الأمير عبد الرحمن بن معاوية الداخل ، فأكرمه ونوّه به « 2 » ، وولّاه إشبيلية لأنه كان قعدد « 3 » بني أمية ، ثم إنه لمّا وجد الداخل يدعو لأبي جعفر المنصور أشار عليه بقطع اسمه من الخطبة ، وذكّره بسوء صنيع بني العباس ببني أمية ، فتوقّف عبد الرحمن في ذلك ، فما زال به عبد الملك حتى قطع الدعاء له ، وذلك أنه قال له حين امتنع من ذلك : إن لم تقطع الخطبة لهم قتلت نفسي ، فقطع حينئذ عبد الرحمن الخطبة بالمنصور بعد أن خطب باسمه عشرة أشهر . ولمّا زحف أهل غرب الأندلس نحو قرطبة لحرب الأمير عبد الرحمن أنهض إليهم عبد الملك هذا ، فنهض في معظم الجيش ، وقدّم ابنه أمية أمامه في أكثر العساكر ، فخالطهم أمية ، فوجد فيهم قوّة ، فخاف الفضيحة معهم ، فانحاز منهزما إلى أبيه ، فلما جاءه سقط في يده « 4 » ، وقال له : ما حملك على أن استخففت بي وجرّأت الناس علي والعدوّ ؟ إن كنت قد فررت من الموت فقد جئت إليه ، فأمر بضرب عنقه ، وجمع أهل بيته وخاصّته وقال لهم : طردنا من الشرق إلى أقصى هذا الصقع ، ونحسد على لقمة تبقي الرمق ، اكسروا جفون السيوف ، فالموت أولى أو الظفر ، ففعلوا وحملوا ، وتقدّمهم ، فهزم اليمانية وأهل إشبيلية ، ولم تقم بعدها لليمانية قائمة ، وقتل بين الفريقين ثلاثون ألفا ، وجرح عبد الملك ، فأتاه عبد الرحمن وجرحه يجري دما وسيفه يقطر دما ، وقد لصقت يده بقائم سيفه ، فقبّل بين عينيه ، وجزّاه خيرا « 5 » ، وقال له : يا ابن عمّ ، قد أنكحت ابني وولي عهدي هشاما ابنتك فلانة ، وأعطيتها كذا وكذا ، وأعطيتك كذا ، ولأولادك كذا ، وأقطعتك وإياهم كذا ، وولّيتكم الوزارة . ومن شعره لمّا نظر نخلة منفردة بإشبيلية فتذّكر وطنه بالشام ، وقال : [ بحر الكامل ]
--> ( 1 ) انظر الحلة السيراء 1 / 56 . ( 2 ) نوّه به : عظمه ورفع شأنه . ( 3 ) كان قعدد بني أمية : أي كان أقربهم أبا إلى الجد الأعلى . ( 4 ) سقط في يده : لم يدر ما يفعل . ( 5 ) جزّاه خيرا : أي قال له : جزاك اللّه خيرا .